أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

173

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : قَدْ شَغَفَها هذه الجملة يجوز أن تكون خبرا ثانيا ، وأن تكون مستأنفة ، وأن تكون حالا إما من فاعل « تُراوِدُ » وإما من مفعوله . و « حُبًّا » تمييز وهو منقول من الفاعلية ، إذ الأصل قد شغفها حبه ، والعامة على « شَغَفَها » بالغين المعجمة مفتوحة بمعنى : حرق شغاف قلبها ، وهو مأخوذ من الشّغاف . والشّغاف : حجاب القلب ، جليدة رقيقة ، وقيل : سويداء القلب ، وقيل : داء يصل إلى القلب من أجل الحبّ ، وقيل : جليدة رقيقة يقال لها لسان القلب ليست محيطة به . ومعنى شغف قلبه أي : خرق حجابه ، أو أصابه فأحرقه بحرارة الحبّ ، وهو من شغف البعير بالهناء إذا طلوه بالقطران فأحرقه ، والمشغوف من وصل الحبّ لقلبه . قال الأعشى : 2791 - يعصي الوشاة وكان الحبّ آونة * ممّا يزيّن للمشغوف ما صنعا « 1 » وقال النّابغة الذّبياني : 2792 - وقد حال همّ دون ذلك والج * مكان الشّغاف تبتغيه الأصابع وقرأ ثابت البناني بكسر الغين ، وقيل : هي لغة تميم . وقرأ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وعلي بن الحسين ، وابنه محمد ، وابن جعفر ، والشعبي ، وقتادة بفتح العين المهملة ، وروي عن ثابت البناني ، وأبي رجاء بكسر المهملة أيضا . واختلف الناس في ذلك ، فقيل : هو من شغف البعير إذا هنأه ، فأحرقه بالقطران قاله الزمخشري وأنشد : 2793 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * كما شغف المهنوءة الرّجل الطّالي « 2 » قلت : هذا العجز لامرىء القيس ، وأوله : 2794 - أتقتلني إنّي شغفت فؤادها * كما شغف المهنوءة الرّجل الطّالي والناس إنما يروونه بالمعجمة ، ويفسرونه بأنه أصاب حبي شغاف قلبها ، أي : أحرق « 3 » حجابه . وهي : جليدة رقيقة دونه ، كما شغف ، أي : كما أحرق وبالغ المهنوءة ، وهي المطلية بالهناء ، أي : القطران ، ولا ينشدونه بالمهملة ، وقال أبو البقاء - لما حكى هذه القراءة - : « من قولك : فلان مشغوف بكذا ، أي : مغرم به » . وعلى هذه الأقوال فمعناهما متقارب . وفرّق بعضهم بينهما ، فقال ابن زيد : « الشّغف يعني بالمعجمة في الحبّ والشّغف : الجنون ، المشغوف : المجنون . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 31 ] فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ( 31 ) قوله : مُتَّكَأً .

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 104 ) ، وهو من شواهد البحر ( 5 / 299 ) ، روح المعاني ( 12 / 226 ) . ( 2 ) عجز بيت لامرىء القيس كما ذكر المنصف وصدره : أتقتلني وقد شغفت فؤادها * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والبيت في ديوان امرئ القيس ، شرح ديوان الحماسة ( 4 / 1624 ) ، المحتسب ( 1 / 339 ) ، الطبري ( 16 / 67 ) ، القرطبي ( 9 / 177 ) . ( 3 ) انظر التخريج السابق .